الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

245

مناهل العرفان في علوم القرآن

دستور أبى بكر في كتابة الصّحف : وانتهج زيد في القرآن طريقة دقيقة محكمة وضعها له أبو بكر وعمر ، فيها ضمان لحياطة كتاب اللّه بما يليق به من تثبّت بالغ وحذر دقيق ، وتحريات شاملة ، فلم يكتف بما حفظ قلبه ، ولا بما كتب بيده ، ولا بما سمع بأذنه . بل جعل يتتبّع ويستقصى آخذا على نفسه أن يعتمد في جمعه على مصدرين اثنين : أحدهما . ما كتب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . والثاني : ما كان محفوظا في صدور الرجال . وبلغ من مبالغته في الحيطة والحذر أنه لم يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب . بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . يدلّ على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : « قدم عمر ، فقال : من كان تلقّى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا من القرآن فليأت به ، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان » . ويدلّ عليه ما أخرجه أبو داود أيضا ، ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ، ولزيد : « اقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب اللّه فاكتباه » ا ه وهو حديث رجاله ثقات وإن كان منقطعا . قال ابن حجر : « المراد بالشاهدين : الحفظ والكتابة » . وقال السخاوي في جمال القراء ما يفيد أن المراد بهما رجلان عدلان إذ يقول ما نصّه : « المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده ، ولذلك قال في الحديث الذي رواه البخاري سابقا ، إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة . أي لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري ، مع أن زيدا كان يحفظها ، وكان كثير من الصحابة يحفظونها . ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة ، زيادة في التوثّق ، ومبالغة في الاحتياط . وعلى هذا